صديق الحسيني القنوجي البخاري
469
فتح البيان في مقاصد القرآن
أن تكون موصولة وبه قال أبو البقاء أي والذي بناها ، وإيثار ( ما ) على ( من ) لإرادة الوصفية لقصد التفخيم كأنه قال والقادر العظيم الشأن الذي بناها ورجح الأول الفراء والزجاج ولا وجه لقول من قال أن جعلها مصدرية مخل بالنظم ورجح الثاني ابن جرير قال ابن عباس اللّه بنى السماء . وَالْأَرْضِ وَما طَحاها الكلام في ما هذه كالكلام في التي قبلها ومعنى طحاها بسطها على الماء كذا قال عامة المفسرين كما في قوله : دَحاها قالوا طحاها ودحاها واحد أي بسطها من كل جانب ، والطحو البسط ، وقيل معنى طحاها قسمها وقيل خلقها والأول أولى ، والطحو أيضا الذهاب ، قال أبو عمرو بن العلاء طحا الرجل إذا ذهب في الأرض ، يقال ما أدري أين طحا ، ويقال طحا به قلبه إذا ذهب به . وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها الكلام في ( ما ) هذه كما تقدم ، ومعنى سواها خلقها وأنشأها وسوى أعضائها وعدلها على هذا القانون الأحكم في أعضائها وما فيها من الجواهر والأعراض والمعاني وغير ذلك ، قال عطاء يريد جميع ما خلق من الإنس والجن ، التنكير للتفخيم أو للتكثير ، وقيل المراد نفس آدم . فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها أي عرفها وأفهمها حالهما وما فيهما من الحسن والقبح ، والإلهام إلقاء الشيء في القلب بطريق الفيض ينشرح له الصدر ويطمئن ، فإطلاقه على الفجور تسامح ، وقد دفع بحمل الإلهام على مطلق البيان . قال مجاهد عرفها طريق الفجور والتقوى والطاعة والمعصية ، قال الفراء فألهمها عرفها طريق الخير والشر كما قال : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [ البلد : 10 ] . قال محمد بن كعب : إذا أراد اللّه بعبده خيرا ألهمه الخير فعمل به ، وإذا أراد به الشر ألهمه الشر فعمل به ، قال ابن زيد جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها للفجور ، واختار هذا الزجاج : وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان . قال الواحدي : وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام فإن التبين والتعليم والتعريف دون الإلهام ، والإلهام أن يوقع في قلبه ويجعل فيه ، وإذا أوقع اللّه في قلب عبد شيئا فقد ألزمه ذلك الشيء قال : وهذا صريح في أن اللّه خلق في المؤمن تقواه ، وفي الكافر فجوره ، قال ابن عباس في الآية : علمها الطاعة والمعصية ، وعنه قال ألهمها من الخير والشر وعنه قال : ألزمها فجورها وتقواها . وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عمران بن حصين أن رجلا قال : « يا رسول اللّه أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه شيء قد قضي عليهم ومضى في قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم واتخذت عليهم به الحجة قال بل شيء قد قضي عليهم ، قال : فلم يعملون إذن ؟ قال من كان اللّه